فخر الدين الرازي

121

لباب الاشارات والتنبيهات

والثالث : لم لا يجوز أن يكون محل تلك الصورة هو النفس ، فإنا سنقيم الدلالة على أن النفس تدرك الجزئيات ؟ الحجة الثانية : قالوا : إنا يمكننا أن نحكم بأن لصاحب هذا اللون هذا الطعم . والقاضي على الشيئين لابد وأن يحضره المقضى عليهما ، لأنه يمكننا أن نحكم على هذا الشيئين بأنه إنسان ، والقاضي على الشيئين لابد وأن يحضره المقضى عليهما . لكن مدرك الإنسان وهو كلى هو النفس ، فمدرك هذا الشخص وهو جزئي هو النفس . فالنفس مدرك للجزئيات . وإذا كان كذلك ، فلم لا يجوز فيما ذكرتم أن يكون ذلك القاضي هو النفس ؟ واحتجوا على وجود القوة المتوهمة : بأن الحيوانات ناطقها وغير ناطقها تدرك في المحسوسات الجزئية معاني غير محسوسة ، مثل إدراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس ، وإدراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس ، فعندك قوة هذا شأنها . وهذا ضعيف . لأن القوة إما أن تدرك العداوة ، أو عداوة في هذه الصورة . أما الأول فهو أمر كلى ومدركه هو النفس . وأما الثاني فإنه يقتضى أن يكون مدرك تلك العداوة مدركا لتلك الصورة ، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون مدرك هذه المعاني هو القوة التي كانت مدركة لتلك الصور ؟ واحتجوا على إثبات الحافظة : بأن عندك وعند كثير من الحيوانات العجم قوة تحفظ هذه المعاني بعد حكم الحاكم أنها غير الحافظة للصور . واحتجوا على المفكرة : بأن لها قوة من شأنها أن تركب وتفصل ما يأتيها من الصور المأخوذة من الحس والمعاني المدركة بالوهم ، وتركب الصور أيضا بالمعاني وتفصليها عنه . والقوة الواحدة لا تكون مدركة وفاعلة